كريم كرامل
-محمود ابن عمو محسن جارنا، اللي ساكنين قدامنا على طول.
استدارت والدتها بسرعة وكأن عقربًا لسعها، وهتفت بنبرة خشنة:
-ماله سي محمود؟
اقتربت سمر خطوة أخرى وأجابت بوضوح:
-محمود بيشتغل مهندس في شركة، وما شاء الله عنده شقة في الدور التالت فوق شقة باباه، وكلمني وقال إنه عايز يتقدم لي ويخطبني.
لم تستدر، ولم تُفصح ملامحها عن شيء، ولكن صوتها الصلب صدح عاليًا:
-لا، مرفوض طبعًا!
حسنًا، لقد توقعت ذلك الرفض، لكن لماذا ترفضه؟ ولماذا تكره والده من الأساس؟
-ليه يا ماما؟!
التفتت والدتها وهي تشير بعصبية وتوتر أثار تعجُّب سمر كثيرًا:
-هو إيه اللي ليه؟! انتي بنتي، وأنا حرة أوافق أو أرفض، وبعدين محمود ده مستحيل تتجوزيه أصلاً!
قبضت سمر يدها بضيق، محاولة التحكم بنفسها قدر الإمكان:
-مستحيل؟! مستحيل أتجوزه ليه؟!
-عشان…
فارت القهوة وسالت على الموقد، فالتفتت والدتها سريعًا وهي تسبّ بشتائم عديدة:
-عجبك كده يا ست زفتة؟! القهوة فارت بسبب زفت محمود!
فقدت سمر أعصابها وقالت بنزق:
-ليه يا ماما؟! بجد مش فاهمكي! هو عملك إيه عشان ترفضيه؟ الراجل محترم هو وأبوه، ومحدش اشتكى منهم في المنطقة!
-هو ما عمليش حاجة، بس أنا ما بطيقش العيلة دي أساسًا! وبعدين، قلتلك مستحيل لأن… لأنه أخوكي في الرضاعة!
انكمشت ملامح سمر بعدم فهم واضح، وهي تحاول استيعاب حديث والدتها، وعندما فشلت ضحكت بسخرية وقالت:
-وده من إمتى وإزاي؟! إيه الكلام الغريب ده يا ماما؟!
غاصت ملامح والدتها في بحور الغضب، وصاحت:
-كلام غريب إيه يا سمر؟! هو أنا هألف؟! الواد ده انتي أكبر منه بشهر، ولما أمه ولدته، تعبت تاني يوم، وأبوه أخدها المستشفى وجابه ليا عشان أرضعه، وقعد معايا تلات أيام يرضع وينام، يرضع وينام، لغاية ما أبوه أخده في اليوم الرابع بعد ما رجعت أمه من المستشفى!
شعرت سمر باضطراب
-انتي ما قلتليش أي حاجة من ده قبل كده!
ردت والدتها بحدة:
-بقولك ده من 29 سنة يا حبيبتي، يعني أنا هفتكر أقولك؟!
أغلقت سمر عينيها بقهر وحسرة، وهمست بضياع:
-يمكن ما رضعش كفاية إنه يبقى…
تفهمت والدتها مقصدها، فقالت بسخرية تهدم أسوار أحلامها واحدًا تلو الآخر:
-بقولك قعد معايا تلات أيام يرضع وينام! يرضع وينام!
سقطت دموعها بغزارة، وتهدل كتفاها بخيبة أمل، مندهشة من تدابير القدر، ورغم عدم استيعاب عقلها لذلك الخبر، إلا أن فؤادها أصيب بشروخ عميقة، فأصبح انهياره وشيكًا لحظة إخبار محمود.
استفاقت على دفعة والدتها إليها بلا مبالاة، وهي تحمل فنجانًا آخر وتخرج به من المطبخ، تاركة إياها تغرق في صدمتها.
***
بعد مرور ساعة…
لم تعلم متى مرت تلك الدقائق الثقيلة عليها، حتى أنها نثرت المياه فوق وجهها عدة مرات لتهدئ من حرارة رأسها المرتفعة، أما عيناها، فكانتا ذابلتين، ممتلئتين بدموع القهر، وأنفاسها الخافتة محملة بأوجاع الحسرة.
ظلت طوال تلك الدقائق تفكر كيف تخرجه من قلبها الذي عشقه لمدة سنة ونصف، منذ أن وطئت قدماه المنطقة، كيف تخرجه من عقلها الذي يحفظ كل تفصيلة عنه عن ظهر قلب، وكل لحظة تلفظ فيها بحبه لها؟ آهات حارقة خرجت مع بكائها الصامت، الذي لم ينتهِ إلا عندما رن هاتفها، وظهر اسمه يتلألأ وسط الشاشة للمرة التي لا تعلم عددها، عندها، جرت أذيال خيبتها خلفها، ونزلت إلى الأسفل لتقابله، وتحديدًا في البهو الواسع القابع أسفل منزلهما.
-إيه يا كريم كرامل، ما نزلتيش من بدري ليه؟ بقالي نص ساع…
توقف “محمود” عن الكلام وهو ينظر إلى دموعها المتساقطة، والحزن المرسوم على وجهها، فاقترب خطوة يسألها بقلق:
-مالك يا سمر؟ مين مزعلك يا حبيبتي؟ أمك؟
رفعت وجهها تطالعه بعدم تصديق، كيف لها أن تقتنع الآن أنه ليس سوى مجرد أخٍ لها، وأصبح محرمًا عليها؟!
ظلت على صمتها الطويل، حتى قطعه مجددًا بسؤاله الذي عبر عن نفاد صبره:
-مالك يا سمر؟ انطقي، أنا أعصابي باظت! هي أمك رفضت جوازنا؟ أوعي، أنا هطلع أتكلم معاها.”
وكاد أن يتخطاها، إلا أنها أوقفته وقالت بهمس مبحوح من فرط بكائها:
-ما تطلعش، مالوش لزوم، أنا وأنت استحالة نتجوز.
-محمود ابن عمو محسن جارنا، اللي ساكنين قدامنا على طول. استدارت والدتها بسرعة وكأن عقربًا لسعها، وهتفت بنبرة خشنة: -ماله سي محمود؟ اقتربت سمر خطوة أخرى وأجابت بوضوح: -محمود بيشتغل مهندس في شركة، وما شاء الله عنده شقة في الدور التالت فوق شقة باباه، وكلمني وقال إنه عايز يتقدم لي ويخطبني. لم تستدر، ولم تُفصح ملامحها عن شيء، ولكن صوتها الصلب صدح عاليًا: -لا، مرفوض طبعًا! حسنًا، لقد توقعت ذلك الرفض، لكن لماذا ترفضه؟ ولماذا تكره والده من الأساس؟ -ليه يا ماما؟! التفتت والدتها وهي تشير بعصبية وتوتر أثار تعجُّب سمر كثيرًا: -هو إيه اللي ليه؟! انتي بنتي، وأنا حرة أوافق أو أرفض، وبعدين محمود ده مستحيل تتجوزيه أصلاً! قبضت سمر يدها بضيق، محاولة التحكم بنفسها قدر الإمكان: -مستحيل؟! مستحيل أتجوزه ليه؟! -عشان… فارت القهوة وسالت على الموقد، فالتفتت والدتها سريعًا وهي تسبّ بشتائم عديدة: -عجبك كده يا ست زفتة؟! القهوة فارت بسبب زفت محمود! فقدت سمر أعصابها وقالت بنزق: -ليه يا ماما؟! بجد مش فاهمكي! هو عملك إيه عشان ترفضيه؟ الراجل محترم هو وأبوه، ومحدش اشتكى منهم في المنطقة! -هو ما عمليش حاجة، بس أنا ما بطيقش العيلة دي أساسًا! وبعدين، قلتلك مستحيل لأن… لأنه أخوكي في الرضاعة! انكمشت ملامح سمر بعدم فهم واضح، وهي تحاول استيعاب حديث والدتها، وعندما فشلت ضحكت بسخرية وقالت: -وده من إمتى وإزاي؟! إيه الكلام الغريب ده يا ماما؟! غاصت ملامح والدتها في بحور الغضب، وصاحت: -كلام غريب إيه يا سمر؟! هو أنا هألف؟! الواد ده انتي أكبر منه بشهر، ولما أمه ولدته، تعبت تاني يوم، وأبوه أخدها المستشفى وجابه ليا عشان أرضعه، وقعد معايا تلات أيام يرضع وينام، يرضع وينام، لغاية ما أبوه أخده في اليوم الرابع بعد ما رجعت أمه من المستشفى! شعرت سمر باضطراب